نصر حامد أبو زيد
19
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
يظل نصا لغويا ينتمي لثقافة خاصة وهو ما نأمل أن تكشف عنه هذه الدراسة لمفهوم النص . إن النص القرآني - موضوع علوم القرآن - يمكن أن يدرس من زوايا كل العلوم وهو ما حدث بالفعل في علوم التراث ، ولم يخرج هذا الدرس هذه العلوم عن طبيعتها الخاصة . إن قضية « الإعجاز » مثلا قد درست من زوايا مختلفة في علوم مختلفة ، درسها المتكلمون لإثبات النبوة ، ودرسها البلاغيون للكشف عن الأوجه اللغوية للإعجاز ، وهي تعد بالإضافة إلى ذلك مقدمة تمهيدية في علوم الفقه وأصول الفقه . وهي كذلك علم من علوم القرآن . والحقيقة أننا لو استطردنا في مناقشة هذه القضية لانتهى بنا التحليل إلى أن مفهوم « الدراسات الاسلامية » لا يمثل علما خاصا ، بل هو مفهوم يتسع لكثرة من العلوم والتخصصات . وفي أقسام اللغة العربية لا مدخل لدراسة النص القرآني إلا من أحد جانبين : الجانب اللغوي أو الجانب الأدبي . وهذان الجانبان ليسا منفصلين في مناهج الدرس الأدبي المعاصر . وإذا كان مفهوم « النص » يمثل مفهوما محوريا في « علوم القرآن » فهو بالمثل مفهوم محوري في الدراسات الأدبية . إن تغاير المناهج واختلاف التوجهات النقدية في درس النصوص الأدبية ليسا في جوهرهما إلا اختلافا في تحديد ماهية « النص » وخصائصه ووظائفه . وليس مفهوم النص مفهوما أساسيا في الدراسات الأدبية فحسب ، بل صار يعدّ مفهوما أساسيا في العلوم الانسانية ، في الثقافة بشكل عام « 1 » . وعلى ذلك تقع هذه الدراسة في صميم الدرس الأدبي . وليست الدعوة إلى درس القرآن بوصفه نصا إلا استجابة لدعوة قديمة شاءت لها الظروف أن تمر دون أن تتحقق ، انها دعوة الشيخ أمين الخولي كما سبق أن أشرنا . وهذه الدراسة من جانب آخر استمرار لمحاولات ربط التراث بالمناهج العلمية المعاصرة ، أو بعبارة أخرى محاولات النظر إلى التراث ودراسته من منظور وعينا المعاصر . إن التراث مجموعة من النصوص تتكشف دلالتها أنا بعد آن مع كل قراءة جديدة . وليست كل قراءة جديدة إلا محاولة لإعادة تفسير الماضي من خلال الحاضر . إن البحث عن مفهوم للنص في تراثنا هو بحث عن مفهوم محوري بالنسبة لهذا التراث من جهة ، ومحاولة لاستقطار دلالة التراث لتأصيل مفهوم معاصر للنص من جهة أخرى . وإذا كان النص القرآني هو نص الإسلام فان الهدف الثاني لهذه الدراسة يتمثل في محاولة تحديد مفهوم « موضوعي » للاسلام ، مفهوم يتجاوز الطروح الإيديولوجية من القوى
--> ( 1 ) انظر : يوري لوتمان وآخرين . نظريات حول الدراسة السيميوطيقية للثقافات ، ص 323 .